الجمعة، 1 فبراير 2013

مـا زلـت مسـتيقظا

لن أنسى المرة الأولى التي وقفت فيها أمام منوّم مغناطيسي .كنت في سهرة بأحد الفنادق خارج الوطن وكان هذا المنوّم يقوم باستعراض استطاع فيه أن ينوّم كل الذين صعدوا إلى المسرح ويجعلهم يقومون بحركات بهلوانية غريبة، ثم التفت إلينا وتحدى أي واحد من الحضور أن يصعد إلى المسرح المقام خصيصا لعرضه هذا حتى يسيطر عليه.ولأنني مشاكس بطبعي وبدون أن أملك السيطرة على نفسي نهضت ووقفت في مواجهته فحدّق بي بعينيه اللامعتين،كانتا تشعّان ضوءا غريبا لعله بسبب انعكاس الأضواء الساطعة من حولنا،أمسك يداي وضغط عليهما لعلي استرخي فلم أسترخ،حدّق فيّ ليرغمني على إغماض عيني فلم يستطع،حاول مرة أخرى وحاولت مساعدته فلم نستطع معا،بقيت صامدا رغما عنه وعني وأخيرا قال لي في امتعاض واضح:أنت لست موهوبا. 
في البداية أحسست بزهو خفي لاكتشافي أنني شخصية قوية من الصعب السيطرة عليها،تذكرت في أحد الأفلام العربية القديمة كيف أن بطلة الفلم فقدت أعز ما تملك لأنها وقعت تحت تأثير منوّم مغناطيسي شرير،تنهدت في راحة لأن هذا المنوّم لم ينتهك عذرية أسراري الخاصة ولم يدخل في تلافيف عقلي الباطن. 
أثارني الحدث فطفقت أقرأ ما استطعت الوصول إليه في ذلك الوقت فلفت نظري رأي لدكتور يدعى حسب ما أذكر جوزيف لوبون أنه من المستحيل أن يُفرض على الواقع تحت تأثير المنوّم المغناطيسي شيء يمكن أن يتعارض مع حسه الأخلاقي والديني. 
هكذا إذن ..لا أحد ينام رغما عنه،النوم فعل إرادي يتحول الشخص بموجبه إلى (موضوع)مستلب،وعادة ما يكون الشخص يسعى للهروب من اضطراباته النفسية التي تجعله يفقد السيطرة على ذاته بسهولة لكن المدهش أن هذه الصورة قد تغيرت كثيرا مع تقدم أبحاث التنويم في مجال علم النفس،فلم تعد الشخصية القابلة للتنويم مضطرة أو ضعيفة ولكن أصبحت موهوبة،إيجابية،قادرة على الاستغراق في التخيل،قابلة للتعلم والخوض في التجارب،تملك شجاعة البوح بمكنون النفس بينما الشخصية الغير قابلة للتنويم:سلبية غير موهوبة،عنيدة بطريقة تجعلها منفعلة ضد العالم. 
لقد تبدد الزهو الذي شعرت به تماما ،ورغم أني علمت لاحقا أن الأشخاص الذين قام المنوّم بتنويمهم أمامنا كانوا جميعا من موظفي الفندق وأن هذا العرض كله كان زائفا ومتفقا عليه إلا أنني تمنيت لو استطعت أن أنام ،أن أتصرف ولو لمرة واحدة بعفوية،دون ضابط أو رقيب،أن أخفف من وطأة الأشياء التي تثقل روحي وأن أتمرد قليلا على قيود التقاليد والتربية والأهم من ذلك أن أتعرف ولو للحظة عابرة على الشخصيات الأخرى التي يقال أنها تشاركني نفس البدن ولكني لم أنم. 
وما زلت مستيقظا حتى الآن.

14/1/2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق